لكم من عمق الذاكرة أول يوم دراسي

احترت ماذا يمكنني تدوينه في موسم ” العودة للمدارس ” سوى سرد بعض ( الذكريات ) خصوصا أنني بعيدة عن جو الدراسة الأليف منذُ سنوات.

طبعاً الكل يتأثر بهذه العوده التي يستنفر لها القاصي والداني و لاتحلو العودة إلا بتذكر متطلبات الدراسة ليلة افتتاح المدارس )

الجميع يتذوق نكهتها ، فما أن نمر ببوابة مدرسة ما..  هذه الأيام حتى تدغدغ تلك البوابه المشرعه، وصوت الجرس  إيذانا ببدء الحصص ومن خلف تلك الأسوار العالية ذكرياتنا المدرسية المختزنة بالذاكره ..

نتفق أيضا على جمال الدراسه مهما امتعضنا وتذمرنا منها

وبقدر التأفف يكون النجاح،وبقدر شتائمنا كل صباح .. بقدرِ تعلقنا بها

المضحك أننا وفي كل يوم نتذمر ثم نذهب رغم أنوفنا !

وعندما حانت ساعة الفراق .. ذرفنا لأجلها الكثير من الدموع وجعلنها سيدة الذكرى!

هكذا هو الإنسان لايشعر بقيمة الشيء إلا بعد فقده ..

النسيان غالباً ما يهتك تفاصيل تلك الذكريات أو الأجزاء من حياتنا ولايبقى منها إلا ذات الأثر القوي على أنفسنا، لذلك من الإستحالة نسيان أول يوم دراسي بدءاً من الروضة … وصولاً إلى الجامعة أو حتى أول يوم دوام و .. أول يوم زواج .. أول يوم أمومه .. أبوَّه .. وقِس على ذلك !

نحن كذلك أحبتي مانحن إلا طلاب في مدرسة كبيره تجمعنا تسمى مدرسة الحياة

دائما نتذكر المواقف الأولى و بقدر ماتُحدِثه داخلنا من صدمة أو أثر فإننا نرسم لها مايسمى بـ ( الخبرة ) ، لذا نجد أغلب المؤسسات التعليمية تحرص أن يكون أول يوم ذو طقوس مغريه جميله، تتناسب مع أعمار الطلاب و نفسياتهم لتهيئتهم لمرحلة جديده فاصلة في حياتهم ولترك أثر طيب تنبني عليه بقية التجارب والخبرات ..

وبالرغم من الجهود المبذولة لرسم أزهى خبره إلا أن القليل منا من يسلم من مخالب الخوف ،القلق و نوبات الهلع المدرسي التي نجاهد أنفسنا لإخفاءها بكبرياء طفولي شفاف ( مفضوح ) قد يتلاشى عند البعض منا ) !!

أترككم الآن بعد هذه المقدمة الطليّة مع

أول يوم ( تمهيدي ) لـ ( فرح )

كما أخبرتكم في تدوينات ماضيه كـ تساؤلات عقل ينمو ماأنا إلا طفلة جريئة ومغامرة جدا ، دخلتُ كأي طفلة ولأول مره بوابة المدرسة الأولى في حياتي ممسكة بكفِّ والدتي ، أُسابقها الخطى لأصل عتبات ( الروضه ) دخلت .. فوجدتُ فناءً مكسواً بالموكيت ( الأخضر البلاستيك القديم) أتتذكرونه ؟ فناء يكتظ بالأطفال وأمهاتهم .. الضوضاء والبكاء والصراخ عمَّ المكان !!

طلبتُ مِن ( والدتي ) أن تحرر كفيَّ وكأنني استجدي منها ( بعضاً من حرية محاصره هي حق لي في عالم يليق بطفولتي ) !!

ألوانٌ ورسومات رائعه على الجدران أبهرتني ففصلتني دون شعور عن أمي ، ( مراجيح ) غطت ألوانها حبات الرمل التي  علقت بأحذية الأطفال السعداء – أعزكم الله – الغارقين باللعب والإكتشاف ، عالم مغري .. أغرى شقاوتي واستفز الكثير من طاقتي الخاملة مذُّ ولدت !!

كان صباحاً يختلفُ تماماً عن صباحاتي السابقة، تلك التي لاتتجاوز سقف المنزل وروتين إفطار ممل أمام شاشة التلفاز التي تبدأ في تمام العاشرة ولحظات الإنتظار لأفلام الكرتون بالقناة السعوديه وأكيد ما ننسى الموسيقى اللي قبل افتتاح القناة الأولى كنت أكرهها وأشوفها طويييله ماتخلص ومالها لزوم .. وإلى الآن أقول لكم .. ماكان لها داعي و فعلا مالها لزوووم غير حرق اعصاب الأطفال!

لاعلينا .. نرجع لموضوعنا ..

انطلقت مسرعه داخل الروضه ، لأجد الأطفال متحلقين حول المعلمة للتعارف – وللأسف – أخبرتنا المعلمة أننا سنبقى لثلاثةِ أيام في ساحة الألعاب مابين غرفة الفديو وممارسة بعض الأنشطة الخفيفة في فناء الروضه لحين الإنتهاء من تنظيم الفصول ،بعدها سنشرع بالحصص الدراسية في الصف .

غضبتُ لهذا الخبر وتبرمت كثيراً، كيف لا وأنا أتوهجُ حماسةً لرؤية مايسمى بـ ( الفصل )،اغتالني التشاؤم وطوقني الحزن عندما عرفت أنني سأقضي قرابة الأسبوع بلا ( فصل ) بلا ( كتب ) و بلا ( طباشير ) !

لم يعجبني الوضع خاصة أنني كنتُ أطمع بشيء أكثر من مجرد جلسة تعارف ، لذلك سرعان ماتركت عقد الأطفال المتحلقين حول المعلمه بينما يرددون بعض الأناشيد ، وانصرفت أبحث بعيداً عنهم عن مكان آخر قد يكون أكثر متعة وإثارة لي، ولحسنِ الحظ وجدتُ إحدى المعلمات تجلس على حافة حوض المزرعه تقلب أوراقها بانسجام ، اقتربتُ منها و سألتها بفضول : أين الفصل ؟

ردت علي – مبتسمه – : في الأعلى من هذا الباب (تؤشر بيدها نحو مدخل مبنى الفصول )

سرقت أِذنٌ مُسبق من والدتي -كعادتي-بينما هي منهمكة بقصص وحكاوي الأمهات وشرب قهوة الضيافة التي قدمتها روضتي لهن ، أخبرتها بأنني سأرى الفصل ( هي اعتقدت انني سأذهب مع المعلمة ولكن .. ) دخلتُ المبنى الخالي وحدي أجر أقدامي بحذر ..  أصعد الدرجات مع التفاتات سريعة هنا وهناك لأطمئن من استقرار الوضع وأمنه، لا أعلم كيف تغلَّب الفضول والحماس على مشاعرِ الرهبه !!

وما أن وصلت للدور الأول من المبنى حتى لفتَ انتباهي باب  مزكرش بالألوان المتناسقة و الورود، مُزيَّن بصورِ أطفالٍ عرفتُ بعدها أنهم تلاميذَ السنةِ الماضيه ، قررتُ فتحه دون تردد ودخوله علني أُُشبِع شيئا من فضول أرهقني ، لازلتُ أتذكرُ ابتسامتي حين أشرقت على قلبي عندما اكتشفت أن ماوراء ذلك الباب ( فصل ) ، إن سكون المكان جعلني أكثر استشعاراً لمشاعري وأكثر تحسسا لسعادتي ..

كل ماخطر ببالي وماردده لسان حالي وقتها .. أخيراً رأيتُ الفصل!!

أخذتُ اتحسس الطاولات .. السبوره .. أتأمل لوحات الأطفال على الجدران .. حروف الهجاء والأرقام .. المبهمة آنذاك!!

أوووه يا له من غبار يملأ المكان .. كل شيء في غاية الجمال !!

أخرجتُ منديلاً ورقي قد خبأته أمي في جيب المريول -ربما جهزته لي لأمسح دموعي – لكنني استخدمته لأمسح أحد المقاعد و لأجرب متعة الجلوس هنا لم أطيق الإنتظار ، أردت تحقيق أمنيتي .. كنتُ ولازلت ( عجولة فيما يتعلق بأمنياتي ) وقع اختياري على مقعد في الصف الأمامي ، مسحتهُ – أو بالأحرى بعثرت – ماعليه من غبار  ثم جلست منتصبة القامه ، مُطلقة العنان لخيالي !!

لم أُطِل الجلوس كثيراً، خِفتُ أن يَدخلَ أحدهم فيسخرُ مني أو يُوبخني فيُكتشفُ أمري ( كنت أعرف أن ماقمت به ضرباً من ضروب اللقافه لكن مالحل و مالسبيل ؟! ) )

نهضتُ سريعاً ألاحقُ بقايا من وقتٍ ممتع غير مباح به بعد !

لم أستطع العودة لساحة الألعاب قبل خوض تجربة الكتابة على السبوره ، بحثتُ على عجالة من أمري عن بقايا طبشور هنا ..  لكنني لم أجد إلا كِسر ٌ صغيرة  ملقاة على الأرض تحت النافذه استفاقت بعد سبات عميق طوال العطلة الصيفية وبجانب الجدار على أصابع صغيرة مرتجفه تلتقطها .. بالتأكيد أنها بقايا آخر حصة لأطفال السنة الماضيه تُرى من هم ؟ وأين هم الآن ؟

بدأتُ وأنا أتهجأ الكلمة .. ( فَـ .. رَ حَ) هكذا علمتني أمي .. ماأجمل إسمي  على السبورة ، كان الإسم اليتيم الذي أُتقنُ كتابتة حروفه وأدرك دلالته و معناه إنه ( أنا ) و ( أنا ) منه هذا  ما أعرفه عنه !

فجأة افسدت أجوائي الحالمة وخلوتي الغاليه صرخة طفل يرفض الروضه، لاأنكر أنه أفزعني وبدد كل شجاعتي تركتُ كل شيء سريعاً ثم نفضت يديَّ ومريولي من بودرة الطباشير والأتربه العالقه بي ونزلت مرتبكه كـ (مجرمة هاربه تخفي أثآر وجودها )

عدتُ من حيث أتيت .. أخذتُ مكاني مجدداً في حلقة الأطفال ،أتناول وجبة الإفطار التي تم توزيعها عليهم ( ساندويتش جبنه + عصير الربيع أبو ريال مع بعض الحلويات ) أتأمل ملامح أطفال أصبحوا الآن رجالاً وأمهات ..

هذا ما كان مدهشا يومها بالنسبة إلي  )

موجز قد يكون مملا للبعض لكنه ممتعا لي ( أول يوم دراسي في حياتي )

عوده حميده لكل الطلاب والطالبات .. تذكروا أحبتي من جدَّ وَجَد ومن زرع حصد

وصيتي ..

حافظوا على ذكريات الدراسة .. واجعلوها مليئة بالحيوية والإصرار ..

ابتعدوا عن كل مايشوبها أو يلطخ مسيرتكم العلمية ..

يوما ما ستحملكم أشواقكم إليها ولن تجدوا إلا بعضا منها  !!

*

مع تحيات

( فـَــرَ حَ ) >> انطقوها بالحركات كما تعلمتها أولَ مره )

الأوسمة: , ,

14 تعليق to “لكم من عمق الذاكرة أول يوم دراسي”

  1. تلف Says:

    ذكريات داعبت فكري وظني …. لست ادري ايهما اقرب مني

    للذكريات طعم آخر

    ولحروفك ألق لاينتهي

    أدامك الله

  2. حر اليدين Says:

    ذكريات جميلة و وجريئة🙂

  3. ماسة زيوس Says:

    صحيح تبدين مغامرة..عكسي تماما(:
    ممتعة القراءة هنا..فَ رَ حَ

  4. max13 Says:

    كم هي ذكريات جميله وكم أنت مرهفة الاحساس شفافة
    شكرا لمشاركتنا هذي اللحظات
    جميل ودي

  5. M!ss fo0fo0 Says:

    ذكـريـات رائعه وجميله ..

    يحق للذاكره لو آختزنتهـا

    >_<

  6. e7sasy Says:

    حمــــاسك كان قوي ..😀

    كثير ما نتمنى ان نعود لتلك الايام ..

    فَرَحَ ………… ربي يسعدك .. (L)

  7. عبدالعزيز علي Says:

    الفاضلة .. فرح

    همَسَت الأبجدية في أذني : ” خيوط ذكرياتها نسجت ثوباً قشيباً . ارتداني ، فشعرتُ أن بي من اسمها .. نصيب . ”

    ما أصدق الأبجدية !

  8. ألق Says:

    { أيا فَرَحْ
    جميلٌ أن خيوط الذاكرة لا زالت تسربلُ في أحضانكِ
    ذكرى الدراسة ووريقاتها ..
    وما أجمل أن يستقي المرء من ذكرياته مستقبله !

    وجريئةٌ يا فَرَحْ

  9. يوناون Says:

    عاما سعيدا للجميع مكللا بالجد والاجتهاد

  10. farah Says:

    :: تلف ::

    فعلا لست أدري؟!!
    🙂

    ممتنه دائما لتواجدك

    ___________

    :: حر اليدين ::
    الأجمل مرورك على كلماتي وذكرياتي المتواضعه
    شرف لي أن أجدك هنا شكرا لك

    ___________

    :: ماسه زيوس ::
    كجرأة فكرك الغالي على قلبي
    دمتِ غاليتي

    _________

    :: ماكس 13::
    أهلا ومرحبا بك انا من أشكر هذا التواصل المبهج
    لك تقديري أخي محمد

    ___________

    :: مس فوفو ::

    أهلا ومرحبا بهذه الزياره المضيئه

    لكِ فائق ودي وتقديري

    __________

    :: إحساسي ::

    صدقتِ أكثر من اللازم !!

    شكرا لروعة تواجدك على صفحات أختك فَرَحَ🙂

    _________

    :: عبد العزيز علي ::

    ما أروع عزف قلمك كم هو آسر ماشاءالله

    شكرا لتواصلك العطر

    __________

    :: ألق ::

    مانحن إلا امتدادا للماضي وماالحاضر إلا جزء من ذلك المستقبل المنتظر🙂

    هي الدنيا!!

    شكرا ألق لتعليقك عبق فريد

    _________

    ::يوناون::
    شكرا يوناون على تواجدك .. إن شاءالله عام سعيد على كل الطلاب والمعلمين

  11. تركي الشريف Says:

    مافعلتيه ليس لقافة بل تركيز على تحقيق الهدف..

  12. farah Says:

    :: تركي الشريف ::

    ربما !!

    شكرا لجمال مرورك كم يسعدني ..

  13. ندى الفجر Says:

    مااجمل ذكريات المدارس يافرح
    هانحن ذي في مدرسة الحياة دائما نجد اول يوم في شي من حياتنا
    يرجعنا لاول يوم دراسي مع العلم ان اول يوم في اي شي ستجدونه دائما
    يشبه اول يوم في دراستنا

  14. farah Says:

    :: ندى الفجر ::

    شكرا حبيبتي أسعدني تواصلك ومرورك الدائم هنا لاحرمني الله قلبك النابض بالخير
    🙂

    لكِ ودي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: