رحلتي لـ(مستشفى الملك فهد لأورام السرطان)

في ذلك اليوم عرفت فقط قيمة أن يتجلى الأمل على ملامح إنسان اعتصرته طعون الألم ،

الألم الذي أصبح يهرش كل لحظة ذلك الجسد الصغير ويقضم كل يوم جزءا من

تلك الروح التي باتت تنتظر مكانها في العالم الآخر ..

هناك حيث أحاط البياض بكل الزوايا ربما كي لا يرى الفؤاد سوى السواد

الذي أصبغ معانيه البائسه على أحداق أولئك الأطفال ( مرضى السرطان)

هناك حيث حملني فضول إنسانيتي الحائرة لأرى وجها آخر للشقاوة المتورده ،

كي اعرف قيمة أن أعيش حياتي دون سيف يؤرق مضجعي ويهدد وجودي قيمة

أن أعيش دون ان أعرف متى أرحل ..

كان ذلك اليوم الملبد بالغيوم أن قررنا في العمل عقد برنامج صيفي للفتيات

على ان يحمل رسالة إنسانية بالدرجة الأولى مع التطوير الذاتي للملتحقات

بحيث يكون هدفه أبعد من اكتساب مهارات حاسوبيه او لغويه او فنيه !!

ومن بين تلك الأنشطة اتفقنا ان يتعلمن كيف يغلفن الهدايا ..ومن ثم تم الإتفاق على ربط المهارة بالفائدة ..

ستسألون كيف؟

كانت الفكره مقترحة من قبل الأخصائية الرائعه نوره الصفيري

المشرفة على البرنامج والمعده له أن تقوم كل واحدة منهن باختيار هديتها وتغليفها

وكتابة عبارة من إنشائها وتقديمها لطفل من أطفال (مرض السرطان)

لبث النور في ظلمات نفوسهم وإحياء بعضا من الإبتسامة المتآكلة إثر قدرهم القاتل..

لم تكن الفكرة مكلفة أو ذات امتياز لكن مردودها سواء علينا أو على المرضى شرفا افتخرنا به ..

قررتُ ان اتولى موضوع التنسيق لتسليم تلك الهدايا للأطفال

وبالفعل تم الإتصال بالأخت (هند) أخصائية نفسية بالمستشفى ولم تتوانى أبدا

عن تقديم كل التعاون والمساعدة لإتمام الفكرة بل رحبت بها وتمنت تكرارها..

تم الإتفاق مع هند على الموعد فكان اللقاء عند بوابة (مستشفى الملك فهد لأورام السرطان)

كنت هناك مع عربة الألعاب المملؤة بالهدايا المغلة بالألوان والشرائط اللولبيه المغريه،

كنت متشوقه كيف ستكون ردة فعل الأطفال ..لا أخفيكم أنني توقعت ان اجد البؤس والألم

الذي تندثر معه كل ملامح الفرح وتأهبت أن أجد الدموع وقد احتلت مساحات الإبتسامه ..

ذلك كي لاأصدم او انهار نفسيا..

بدأت خطواتي مع هند تجاه الطابق أو بالأحرى (المنفى الصحي)

الذي اصبح معزلا يحميهم من أي وباءات تغزو وحدتهم

بسبب تلاشي (مناعتهم) وتفشي المرض- نسأل الله السلامه – كانت هند تحدثني عن واقعهم المرير

فوجئت بعدة حقائق لم اكن لأعرفها قبل دخولي عتنبات هذا المستشفى..

وأكثرها إيلاما إصابة طفل يبلغ (6أشهر)!! بل ويستخدم العلاج الكيماوي!!

المرض هوالمرض سواء للكبير او الصغير ولكن حين تراه على الطفوله التي مالبثت ان خرجت للحياة

فإنك تشعر بشعور غريب اعجز عن وصفه..ولجت الطابق الكبير بغرفه المتراصة

التي تمحورت حلو مجموعة من مكاتب الأطباء لتوفير العنايه المركزة السريعة ،

المنظر ليس بغريب لكن الغريب أن تجتمع الطفولة هنا

بلا ألوان ولا ضحكات ولا أصوات -هدوووء-

طُُلب مني بعدها غسل وتعقيم يديّ كإجراء روتيني لمن بحالتهم ..

بدأت اتنقل بنظراتي كل شيء كان متشابها.. جامدا..

سألتُ هند بدهشه .. كل هذه الغرف اطفال سرطان؟؟

قالت نعم وللمعلومية فقط الأطفال من عمر صفر-12سنه أما البقيه في الطابق الآخر!!

أردفت اجابتها بسؤالٍ آخر .. وهل كل هذه الغرف مملؤه؟؟

ردت بابتسامه محبطه: للأسف!!

قاطعت حديثي مع هند (طفلة ذات 5 سنوات تجر خلفها عمود المغذي )

ترتدي قبعة البلاستك على رأسها لتخفي جلدة رأسها العاري من الشعر من اثر العلاج!!

سألت – الطفلة – هند بكل براءه وعفويه ( وش هذا ) ؟ >>تقصد عربية الألعاب

أجابتها بحضن دافيء : العاب وهدايا لكم ..

كنتُ انظر مندهشة كيف لطفلة صغيرة أن تتأقلم مع واقعها الصعب وتجوب أطراف الطابق

ترافق ذلك العمود الكئيب خفلها هذا وتلملم ألأسلاك التي اعتصرت جسدها الصغير بلا ملل او كلل !!

بل ولازالت طفولتها نابضه وتريد ان تلعب وفضولها الطفولي لازال يرفرف بقلبها..

طلبنا ان تختار هديتها .. فاختارت (اكبر هديه) ياإلاهي.. حتى طمع الطفولة البريئة لم تطمسه آهات الألم ..

امسكتها بفرح شديد وانطلقت لغرفتها كي ترى مابداخلها توازن بين عمودها واسلاكها محتضنة هديتها ..

هكذا إلى ان دخلت غرفتها واختفت ..

أما انا فكأنني دخلت كوكبا أخركل سكانه أصحاب ملامح وألوان مختلفه يعلوها الشحوب ..

والحزن الممتزج بالأمل لكن ربما المصطنع!! لاأعلم ..

لن أطيل أكثر من ذلك وسأدع خيالكم يصور باقي رحلتي الموجوعة ..

ولعل صورهم ستكون أبلغ بكثير ..كل ماأريد قوله لكم أن لاتنسوهم من صالح دعواكم ..

ولا من خير اموالكم ولا من فيض إحساسكم .. فهم وذويهم بأمس الحاجة للمسة حانية من أياديكم ..

dscn0225

dscn0226

هذه كانت جدا محزنه .. دخلت كأنها قطعة قماش متراميه ..

ومع ذلك كانت تلاحق عينيها الهديه والممرضات ينقلونها من السرير

المتنقل لسرير الترقيد،وحين سألت هند لما هي بهذه الحاله.. اجابتني انها خرجت للتو تلك اللحظه من ( الأشعه !!)

dscn022211

أما هذه الورده التقيتها خلال تنقلي مع ( هند ) بين أروقة المستشفى ومرافق الترفيه المخصصة للأطفال

وجدتها تختار كتب تقرأها في المكتبة ووجدت برفقتها والدتها سلمت وسألتها عن الطفله

ردت بأسى شديد أنهم قادمون من ( المدينة المنوره) لتبدأ رحلة علاجها ..

لم تكن لا الأم ولا الطفله شاهدوا ماشاهدته في ذلك الطابق الأبيض

!شعرت لحظتها برغبة شديده أن اصرخ بوجه تلك الأم المكلومه

(ضمي ابنتك لصدرك طويلا وافرحي بها كثيرا) ..

فالقادم أكثر إيلاما لم اتخيل ان تذبل هذه الوردة.. ولاأعلم ماصار إليه حالها اليوم .. الله اعلم ؟! .

dscn02351

المؤلم أن المستشفى كان عباره عن منفى بعيد ( منطقه بريه مقطوعه تقريبا عن حياة المدينه )!!

مسافته بعيده جدا ولهذا السبب كانت تلك الزيارة الأولى والأخيره لي

ربما بحكم ظروفي لن استطيع ان اصلهم لكن حروفي ستصل للعالم لأجلهم ..

قابعين تحت تلك الأسقف القاتمه كبقايا لإنسانية منسيه ..

وأذكر سؤالي لهند حول الإعانات المقدمه للمرضى (فأجابتني)

هؤلاء يحتاجون متابعه نفسيه ولمسات حانيه

لتعزيز همتهم لمواجهة المرض وهذه هي المساعده الفعليه التي يجب تقديمها

والمنومين الذين رأيتيهم بالمستشفى هم أناس حالفهم الحظ وفازوا بفرصة العلاج والعناية

أما البعض الآخر فلم يجد له مكانا فيعود ادارجه حاملا حزنه بين حناياه!

كما سألتها عن الزوار قالت ( محدودين جدا بل احيانا الأهل يبدأون ينشغلون فتقل زياراتهم)

اما عن المبادرات الإنسانيه تكاد تكون (مفقوده)!!

فأين نحن منهم .. وقد ملأنا الأسواق ضجيجا ولعبا ..

أين أموالنا عنهم وقد نثرنا اموالنا هنا وهناك بحثا عن السعادة المفقوده؟

لما لا نخصص ولو ساعة وهدايا ولو بـ (ريالين) لنرسم البسمة على شفاههم المتيبسه ؟

أين قلوبنا التي أعياها الرقص وبلدتها مناظر الدماء ؟

أين هي إنسانيتنا التي اعتادت سياط الضمير؟

أين .. وأين تساؤلات يتردد صداها بلا مجيب ولا إجابه..

لكنها ليست النهايه فاأصحاب القلوب الرحيمة كثر، والنخوة الإسلامية والعربية لازالت نابضة بحنايا النفس ..

وحده ( الوقت) الذي سيمر مر السحاب ولن يمهلك وقتك .. فانطلق وابصم على جباه الطفولة قبلة صادقه..

الأوسمة: , , ,

9 تعليقات to “رحلتي لـ(مستشفى الملك فهد لأورام السرطان)”

  1. سارة Says:

    جزاك الله خير
    رحلة مؤلمة جدا
    يارب اشف مرضانا ومرضى المسلمين
    مقصرين جدا جدا

  2. farah Says:

    أهلا بك اختي الغاليه ساره وماهذه السطور إلا تذكره لأننا كلنا غافلين عن جوانب كثيره تجتاجها إنسانيتنا لتبقى نابضه بعض الشيء..اشكرك بحراره على حضورك ومرورك الرائع وقلبك العطر

  3. عابرة سيبل Says:

    اه من منظر محزن بالفعل رحله محزنه اتمنى لهم الشفاء العاجل وانامعهم من هذاالمرض الذي اخترق صدري وانالازلت فتاة اسال الله العلي العظيم ان يجزي من كتب هذه الرساله

  4. farah Says:

    شكرا لزيارتك عزيزتي ” عابرة سبيل” اللهم اشفي مرضى المسلمين .. وأتمنى ان اراكِ دائما على صفحاتي

  5. منى Says:

    فعلا يافرح رحله مؤلمة ولكن انسانيه
    جزاك الله خيرا
    اللهم اشفي مرضى المسلمين يارب

  6. نداء Says:

    جزاك الله كل خير

    والله دموعي خانتني وانا اشوف الصور يارب اشفيهم يااارب واحمي اخواننا المسلمين

    الله يجزاك الجنه يالغاليه لادخالك البسمه على شفاه من يحتاجها

    اختك : نداء

  7. روح سماوية Says:

    رائع جدا ..
    جزاك الله خير..
    الله يشفيهم يارب:(

  8. ابتسامة امل Says:

    اسأل الله ان يشفيهم ومرضى المسلمين اجمعين

    اشكرج كل الشكر على هذه المشاعر وفعلا نحن نحب من يرسم لنا الامل بعد الله

  9. شوشو Says:

    فعلا شيء مؤلم
    وحاسه فيهم والله
    لاني عشت نفس عيشتهم وانا صغيره
    في البدايه على بدايه المرض قبل مايفتتح مستشفىالملك فهد كنت في مستشفى الملك فيصل التخصصي
    وبعد مرضي بفتره سنه تقريبا او اكثر تم افتتاح المستشفى ذا والله مانكر اني كنت مبسوه فيه اكثر من المستشفى التخصصي لانه التخصصي كان زحمه وفيه ناس كبارفي الغرف اللي جمبنا مايمديني العب معهم وفيه امراض واجده
    اما مستشفى الملك فهد كان رايق ومافي اصوات سيارات مزعجه (يعني بعده ميزه له) وكان كل الغرف فيها اطفال ونلعب مع بعض وكنا اول جيل نتعالج فيه
    والله فيه اهتمام مشاء الله ودكاتره فاهمين شغلهم
    الله يجزى خير اللي بناه وصاحب الفكره وكل واحد ساهم فيه
    ويجزاك خير ياصاب الموضوع
    ادعو لكل المرضى بشفاء
    وااللي تشفى ان الله يديم عليه نعمه الصحه والعافيه

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: